المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التفويض والتعطيل وجهان لعملة واحدة يثمران قسوة القلوب وظلمتها



alghomadah
02-22-2010, 05:50 PM
لما رأيت من يتمدح مذهب أهل التفويض ( أهل التجهيل ) أحببت أن أبيين فساده و مُخالفته للنصوص و آثار السلف والعقول !!!!
تعريف التفويض

التفويض هو ” صرف اللفظ عن ظاهره مع عدم التعرض لبيان المعنى المراد منه بل يترك ويفوض علمه إلى الله“ (النظام الفريد بتحقيق جوهرة التوحيد. حاشية على إتحاف المريد بجوهرة التوحيد ص128).

ونتيجة ذلك تعطيل الله تماما في نفس البشر.

فالجهل بالصفات يؤدي إلى الجهل بالموصوف.
ويلزم منه وصف النبي بالجهل وأنه كان يدعو إلى الجهل بالله.

فالتفويض إذا دعوة على الجهل بالله !!!!

ويلزم منه أن ألفاظ الصفات في القرآن بأحرف عربية ولكن بلغة مبهمة لا نعرفها.

ويلزم أن الله لم ينزل آيات الصفات في القرآن العربي بصفات عربية مع أن آيات الصفات نزلت بلغة العرب فكيف تكون ألفاظا ذات معنى ولا يكون لها معنى؟؟؟

ألفاظ ذات معنى لكن لا معنى لها!!!

والتفويض هو إثبات لفظ الصفة مفرغة من المعنى وبتعبير آخر: قبول ألفاظ الصفات مع إخلائها من معانيها الصحيحة.

أراد به قسم من الأشاعرة و الماتريدية الهروب من مصيدة تحريف معنى الصفة الذي يسميه أشاعرة آخرون (التأويل) ولكنهم سقطوا في مصيدة منع معنى الصفة، ظن المفوض أنه نجا بذلك ممن يجعلون لألفاظ الصفات معان باطلة، وإنما انتقل من المعنى الباطل إلى لا معنى.

والتفويض فرع مذهب المعتزلة الذين كانوا يعتبرون أسماء الله أعلاماً محضة، بينما يعتبر المفوض الصفات أعلاماً محضة. والنتيجة لكليهما التعطيل، وحينئذ لا فرق بين المعتزلة الذين جعلوا أسماء الله أعلاماً محضة وبين الأشاعرة المفوضة الذين جعلوا صفات الله أعلاماً محضة. فإنه لو كانت أسماء الله وصفاته أعلاماً محضة لم تكن حسنى.

والمفوضة ضاقوا ذرعاً بالتأويل ولم يحتملوا ما أثمره في قلوبهم من قسوة وظلمة ولكنهم لم يحلوا الإشكال الوارد في النصوص التي يسمونها «نصوص التشبيه» فكان الحل أن يُبقوا هذا الإشكال في صدورهم ولا يتحدثوا به. فمرض التشبيه باق ولكن اكتمه في صدرك ولا تحدث به واشك مصيبتك إلى الله!!!

لقد سُمِح بالتفويض في المذهب الأشعري و الماتريدي لسببين:

السبب الأول: أن كثيراً من أئمة الأشاعرة كالغزالي والجويني والسمرقندي تركوا التأويل وكانوا قبل تركه يُكرهون فِطَرَهُم على قبول المحال والمتناقض ويرغمونها على ما تأباه وتنفر منه. كقولهم إن الله قَهَرَ العرش وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للجارية أين الله أي ما اعتقادك في عظمة الله فقالت في السماء أي عظيم القدر جداً.. الخ. ووجدوا من الصعوبة الجمع بين طلب التقوى والصدق مع الله، والقول على الله بهذه الاحتمالات في العقيدة التي تصيب القلب بالقسوة وقلة الورع. ولو لم يكن التأويل اجتهاداً ورأياً لما سُمِح بالتفويض. ولوجب الاقتصار على التأويل.

السبب الثاني: أن التفويض ينتهي إلى ما انتهى إليه التأويل، فهما يسيران في طريقين مختلفين ثم يلتقيان معاً في النهاية.

فإن المفوض يصرف اللفظ عن المعنى الواضح ولكن لا إلى معنى، بينما المؤول يصرف اللفظ عن المعنى الواضح إلى معنى بعيد فيتفقان في صرف اللفظ عن المعنى المتبادر. ويفترقان في أن أحدهما يعطيه معنى آخر محتملاً، والثاني يمنع عنه المعنى. ولكنهم في النهاية يلتقون عند نتيجة مشتركة: وهي: رفض وصف الله بما وصف به نفسه وتنزيهه عما وصف به نفسه.
ولهذا قيل إن التأويل والتفويض وجهان لعملة واحدة، فإنهما يلتقيان عند تعطيل معنى الصفة المرادة لله. ومن هنا ندرك سر الإذن به من قِبَل الأشاعرة والماتريدية فنتائج التفويض مثل نتائج التأويل من حيث الجناية على النصوص وتعطيل معانيها.

اللجوء إلى مرض التفويض هرباً من مرض التأويل

التفويض مذهب ظاهره التقوى والكف، وباطنه سوء الظن بالنصوص وتجاهل ما أراد الله من عباده أن يعلموه، وثبت عن السلف تفسيره، فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس أن يفقهه الله في الدين، ويعلمه التأويل، أي التفسير.
وقد قال ابن عباس: « كلّ القرآن أعلم إلا أربع: حنان وأواه وغسلين والرقيم ». ثم علم ذلك بعد كما حكاه ابن قتيبة.

وهذا دليل على أن السلف كانوا إذا جهلوا شيئاً من القرآن صرحوا بذلك. وهم لم يصرحوا بنفي العلم بمعاني صفات الله تعالى. وإذا امتنع أحدهم عن تفسير لفظ ما فلا يدل على أن ذلك منهج لهم.

الدليل على أن السلف فسروا آيات الصفات

ونضرب مثالاً على أن السلف ما تجاهلوا معاني الصفات: فقد قال مجاهد: * اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش * [الفرقان 59]، أي علا على العرش. وقال أبو العالية استوى أي ارتفع [رواه البخاري في التوحيد باب وكان عرشه على الماء].

وعن ابن عباس في قوله تعالى: * وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا * [هود 37]، « أي بعين الله تبارك وتعالى ». وفي رواية أنه أشار بيده إلى عينه [روه البيهقي في الأسماء والصفات 396 واللالكائي في شرح أصول السنة 3/411].

وقد قال مجاهد أخذت التفسير عن ابن عباس من أوله إلى خاتمته أقفه آيةً آيةً. فلم يستثن من ذلك آيات الصفات. وقد ثبت تفسير مجاهد لصفةٍ كثر الجدل حولها وهي صفة الاستواء.

النبي يفسر الصفات

بل الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم تفسير الصفات:
ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ” اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء الدين واغننا من الفقر“

قال القرطبي:
” عني بالظاهر الغالب والباطن العالم والله أعلم وهو بكل شيء عليم بما كان أو يكون فلا يخفى عليه شيء“ ((تفسير القرطبي17/236).).

أضاف القرطبي:
” قوله تعالى هو الأول والآخر والظاهر والباطن اختلف في معاني هذه الأسماء وقد بيناها في الكتاب الأسني وقد شرحها رسول الله صلى الله عليه وسلم شرحا يغني عن قول كل قائل“ (تفسير القرطبي17/236).
تأمل قول القرطبي: " وشرحها رسول الله".

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يطوي الله عز وجل السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك: أين الجبارون أين المتكبرون؟» وفي رواية: « يأخذ الله عز وجل سماواته وأرضيه بيديه ويقول: أنا الله. ويقبض أصابعه ويبسطها ويقول: أنا الملك، قال ابن عمر: حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني أقول: أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟» [رواه مسلم رقم (2788)].

وكذلك تلا صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: *إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيرًا * [النّساء 58]، قال أبو هريرة: « رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه. يقرؤها ويضع أصبعيه. قال المقرئ: يعني أن الله سميع بصير. قال أبو داود: وهذا رد على الجهمية » [رواه أبو داود في كتاب السنة باب في الجهمية 4/233 رقم (4728) وصححه الحاكم 1/24 وقال الذهبي "على شرط مسلم" وحسن إسناده الحافظ ابن حجر 13/373].

وفي رواية عن عقبة بن عامر قال: « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: « إن ربنا سميع بصير » وأشار إلى عينه » [ذكر هذه الرواية الحافظ ابن حجر في الفتح 13/373 نقلا عن البيهقي في الأسماء والصفات وقال "سنده حسن"].

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: « جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم: إن الله يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع والشجر والثرى على إصبع والخلائق على إصبع ثم يقول: أنا الملك أنا الملك. فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه [تعجباً وتصديقا] ثم قرأ: * وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ * [الأنعام 91]. وحاشا لنبينا أن يُضحكه كفرٌ ثم يقره ولا ينكره.

وهذا يؤكد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بين لأصحابه معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه كما أمره الله بذلك فقال: * وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم * [النّحل 44].

وأما هؤلاء فينتهون إلى أنه صلى الله عليه وسلم اكتفى بإبلاغ الأمة الألفاظ وترك لهم هذا الباب دون بيان.

وهذا من المحال:

• إذ كيف يكون القرآن السراج المنير الذي أخر الله به الناس من الظلمات إلى النور وأنزل معه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه أن يترك باب الإيمان بصفات الله مشتبهاً متلبساً مما يضطر البعض أن يصف آياته ب‍ «آيات التشبيه» أو «الآيات التي ظاهرها كفر». ولم يميز ما يجب وما لا يجوز عليه وما يستحيل؟

• وكيف يترك النبي صلى الله عليه وسلم هذا الباب ملتبساً مشتبهاً وهو الذي أشهد أمته على أنه بلغ وبين ونصح وقال: « تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك » [رواه أحمد 4/126 وابن ماجه (43) والحاكم 1/96 واللالكائي 1/22 قال الألباني إسناده صحيح (سلسلة رقم 937)].

والحديث يطول حول هذا الأمر.